الشنقيطي
403
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
لقد كان هذا الصلح من أعظم المناسبات في الإسلام ، إذ كان فيه انتزاع اعتراف قريش بالكيان الإسلامي مائلا في الصلح والعهد الذي وثق بين الطرفين وقد سماه اللّه فتحا ، كما قال تعالى : فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [ الفتح : 27 ] . ونزلت سورة الفتح في عودته صلى اللّه عليه وسلم من صلح الحديبية . وكذلك يوم بدر كان يوم الفرقان ، فرق اللّه فيه بين الحق والباطل ونصر فيه المسلمين مع قلتهم على المشركين مع كثرتهم . وكذلك يوم فتح مكة وتحطيم الأصنام والقضاء نهائيا على دولة الشرك في البلاد العربية ، ومن قبل ذلك ليلة خروجه صلى اللّه عليه وسلم من مكة ونزوله في الغار ، إذ كان فيها نجاته صلى اللّه عليه وسلم من فتك المشركين ، كما قال الصديق وهما في الطريق إلى الغار حينما كان يسير أحيانا أمام الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأحيانا خلفه فسأله صلى اللّه عليه وسلم فقال : أتذكر الرصد فأكون أمامك ، وأتذكر الطلب فأكون خلفك ، فقال صلى اللّه عليه وسلم « أتريد لو كان شيء يكون فيك يا أبا بكر ؟ فقلت نعم فداك أبي وأمي يا رسول اللّه ، فإني إن أهلك أهلك وحدي ، وإن تصب أنت يا رسول اللّه تصب الدعوى معك » « 1 » . وكذلك وصوله صلى اللّه عليه وسلم المدينة بداية حياة جديدة وبناء كيان أمة جديدة ، وكل ذلك لم يجعل الإسلام لذلك كله عملا خاصا به والناس في إبانها تأخذهم عاطفة الذكرى ، ويجرهم حنين الماضي وتتراءى لهم صفحات التاريخ ، فهل يقفون صما بكما أم ينطقون بكلمة تعبير ؟ وشكر للّه إنه إن يكن من شيء فلا يصح بحال من الأحوال ، أن يكون من اللهو واللعب والمنكر وما لا يرضى اللّه ولا رسوله . إنه إن يكن من شيء ، فلا يصح إلا من المنهج الذي رسمه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، في مثل تلك المناسبات من عبادة في صيام أو صدقة أو نسك ولا يمكن أن يقال فيها بما يقال في المصالح المرسلة حيث كانت . وكان عهد التشريع ولم يشرع في خصوصها شيء ، وهل الأمر فيها كالأمر في المولد على ما قدمه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه ، وتكون ضمن عموم قوله تعالى
--> ( 1 ) أخرجه عن عمر بن الخطاب : البيهقي في دلائل النبوة 2 / 476 .